ابن عربي
81
كتاب الحجب
اللّه على علم اللّه فيه وما ثم إلا كشف وشرع وعقل ، وهذه الثلاثة ما خلصت شيئا ولا يخلص أبدا دنيا ولا آخرة ، جزاء بما كنتم تعملون فالأمر في نفسه واللّه أعلم ما هو إلا كما وقع ما يقع فيه تخليص لأنه في نفسه غير مخلص إذ لو كان في نفسه مخلصا لا بد أن كان يظهر عليه بعض هذه الطوائف ولا يتمكن لنا أن نقول الكل على خطأ ، فإن في الكل الشرائع الإلهية ، ونسبة الخطأ إليها محال ، وما يخبر بالأشياء على ما هي عليه إلا اللّه . وقد أخبر فما هو الأمر إلا كما أخبر لأن مرجوع الكل إليه فما خلص فهو مخلص وما لم يخلص فما هو في نفسه مخلص فإن اللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . فاتفق الحق والعالم جميعه في هذه المسألة على الاشتراك وهذا هو الشرك الخفي والجلي . وموضع الحيرة فلا يرجح فما ثم إلا ما قلناه فإذ قد قررنا في هذه المسألة ما قررناه فلنقل أن الجود الإلهي والغيرة الإلهية اقتضيا أن يقولا ما نبينه إن شاء اللّه : وذلك أن المتكلمين في هذا الشأن على قسمين : الواحد : أضاف الأفعال كلها إلى الأكوان فقال لسان الغيرة الإلهية : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً « 1 » أي حادثا . وأما القسم الثاني : فأضاف الأفعال الحسنة كلها إلى اللّه وأضاف الأفعال القبيحة إلى الأكوان فقال لسان الجود الإلهي قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 2 » لا تكذيبا لهم بل ثناء جميلا ، وما ثم من قال أن الأفعال كلها للّه ولا للأكوان من غير رائحة اشتراك فلهذا حصرناها في قسمين من أجل الطبيعية والدهرية . وأما حجب العناية : وهي حجب الإشفاق على الخلق من الإحراق ، فهي الحجب التي تمنع السبحات الوجهية أن تحرق ما أدركه البصر من الخلق وسبب ذلك أن اللّه قد وضع الدعاوى في الخلق لأن أعيانهم لما اتصفت بالوجود بعد العدم وأن ذلك الوجود كان عن ترجيح المرجح الذي هو واجب الوجود فما أنكره أحد وإن كانت قد تغيرت العبارات عنه باسم طبيعة ودهر وعلة وغير ذلك فهو هو لا غير فرأوا أن الوجود لها وإن كان مستفادا فإنه لهم حقيقة وأن أعيانهم هم الموجودون بهذا الوجود المستفاد وهذه هي
--> ( 1 ) الآية رقم ( 77 ) من سورة النساء ( 2 ) السابقة